فخر الدين الرازي

294

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة قريش وهي أربع آيات مكية [ سورة قريش ( 106 ) : الآيات 1 إلى 2 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ( 1 ) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ ( 2 ) لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ اعلم أن هاهنا مسائل : المسألة الأولى : اللام في قوله : لِإِيلافِ تحتمل وجوها ثلاثة ، فإنها إما أن تكون متعلقة بالسورة التي قبلها أو بالآية التي بعدها ، أو لا تكون متعلقة لا بما قبلها ، ولا بما بعدها أما الوجه الأول : وهو أن تكون متعلقة بما قبلها ، ففيه احتمالات : الأول : وهو قول الزجاج وأبي عبيدة أن التقدير : فجعلهم كعصف مأكول لإلف قريش أي أهلك اللّه أصحاب الفيل لتبقى قريش ، وما قد ألفوا من رحلة الشتاء والصيف ، فإن قيل : هذا ضعيف لأنهم إنما جعلوا كعصف مأكول لكفرهم ولم يجعلوا كذلك لتأليف قريش ، قلنا هذا السؤال ضعيف لوجوه أحدها : أنا لا نسلم أن اللّه تعالى إنما فعل بهم ذلك لكفرهم ، فإن الجزاء على الكفر مؤخر للقيامة ، قال تعالى : الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [ غافر : 17 ] وقال : وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [ فاطر : 45 ] ولأنه تعالى لو فعل بهم ذلك لكفرهم ، لكان قد فعل ذلك بجميع الكفار ، بل إنما فعل ذلك بهم لإيلاف قريش ولتعظيم منصبهم وإظهار قدرهم وثانيها : هب أن زجرهم عن الكفر مقصود لكن لا ينافي كون شيء آخر مقصود حتى يكون الحكم واقعا بمجموع الأمرين معاو ثالثها : هب أنهم أهلكوا لكفرهم فقط ، إلا أن ذلك الإهلاك لما أدى إلى إيلاف قريش جاز أن يقال : أهلكوا لإيلاف قريش ، كقوله تعالى : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [ القصص : 8 ] وهم لم يلتقطوه لذلك ، لكن لما آل الأمر إليه حسن أن يمهد عليه الالتقاط . الاحتمال الثاني : أن يكون التقدير : ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل لإيلاف قريش كأنه تعالى قال : كل ما فعلنا بهم فقد فعلناه لإيلاف قريش ، فإنه تعالى جعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ، حتى صاروا كعصف مأكول ، فكل ذلك إنما كان لأجل إيلاف قريش . الاحتمال الثالث : أن تكون اللام في قوله : لِإِيلافِ بمعنى إلى كأنه قال : فعلنا كل ما فعلنا في السورة المتقدمة إلى نعمة أخرى عليهم وهي إيلافهم رحلة الشتاء والصيف تقول : نعمة اللّه نعمة ونعمة لنعمة